الشيخ محمد علي طه الدرة
426
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
الشتاء الشّديد البرد ، وقيل : لأنّه يرمض الذنوب ، أي : يحرقها . بمعنى : يمحوها ، وقيل : لأن القلوب تحترق فيه من الموعظة ، والقرآن . ويجمع على : رمضانات ، وأرمضة . الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ وشرح هذا الإنزال في شهر رمضان : أن جبريل عليه الصلاة والسّلام نسخه من اللّوح المحفوظ ، ونزل به جملة واحدة ، ووضعه في السّماء الدّنيا في مكان يسمّى بيت العزّة ، وقد صادف ذلك ليلة القدر ، قال تعالى : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وقال جل ذكره : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ ثم نزل به جبريل الأمين على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم مفرّقا في ثلاث وعشرين سنة ، على حسب الوقائع ، ومقتضيات الأحوال والحاجات . هذا ؛ وقرآن مشتق من : قريت الماء في الحوض : إذا جمعته ، فكأنه قد جمع فيه الحكم ، والمواعظ ، والآداب ، والقصص ، والفروض ، وجميع الأحكام ، وكملت فيه جميع الفوائد الهادية إلى طرق الرشاد . وخذ قول عمرو بن كلثوم في معلقته رقم [ 17 ] : [ الوافر ] ذراعي عيطل أدمان بكر * هجان اللّون لم تقرأ جنينا « لم تقرأ جنينا » : لم تضم ، ولم تجمع في رحمها ولدا قط . وهو في اللّغة مصدر بمعنى الجمع ، يقال : قرأت الشيء ، قرآنا : إذا جمعته . وبمعنى القراءة ، يقال : قرأت الكتاب قراءة ، وقرآنا ، ثم نقل إلى هذا المجموع المقروء المنزل على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، المنقول عنه بالتواتر فيما بين الدّفتين ، المتعبّد بتلاوته المبدوء بسورة الفاتحة ، المختتم بسورة الناس . وهذا التعريف متّفق عليه بين العلماء والأصوليين ، أنزله اللّه ؛ ليكون دستورا للأمة ، وهداية للخلق أجمعين ، وليكون آية دالة على صدق الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وبرهانا ساطعا على نبوته ، ورسالته ، وحجّة قائمة إلى يوم الدين ، تشهد : أنّه تنزيل الحكيم الحميد ، بل هو المعجزة الخالدة ، التي تتحدى الأجيال ، والأمم على مر الأزمان ، ومرّ الدهور . ورحم اللّه شوقي إذ يقول : [ البسيط ] جاء النّبيّون بالآيات فانصرمت * وجئتنا بكتاب غير منصرم آياته كلّما طال المدى جدد * يزينهنّ جمال العتق والقدم وللقرآن أسماء عديدة ، كلّها تدلّ على رفعة شأنه ، وعلوّ مكانته ، وعلى أنّه أشرف كتاب سماوي على الإطلاق ، فيسمّى : القرآن ، والفرقان ، والتنزيل ، والذّكر ، والكتاب ، والنور ، والهدى . . . إلخ ، كما وصفه اللّه بأوصاف عديدة ، منها : نور ، وهدى ، ورحمة ، وشفاء ، وموعظة ، وعزيز ، ومبارك ، وبشير ، ونذير إلى غير ذلك من الأوصاف التي تشعر بعظمته ، وقدسيّته . ويحرم على محدث حدثا أكبر : قراءته ، ومسّه ، وحمله ، وعلى المحدث حدثا أصغر : حمله ، ومسّه ، ولا يمنع من قراءته عن ظهر قلب . قال تعالى : لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ وقال تعالى في سورة ( الإسراء ) رقم [ 106 ] : وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا . وعلى